أكراد سورية وخرائط «الشرق الاوسط» الجديد.. بين خطر التطرف، والحلم القومي..

كمال شيخو

بترقب؛ يتابع أكراد سورية الأخبار المتسارعة من العراق، بعدما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الخلافة الاسلامية، وسيطرته على كبرى مدنه. وشكّلت دعوة مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان، البرلمان الكردي إلى تحديد موعد لإجراء استفتاء عام على استقلال الإقليم في خطوة نحو إعلان الدولة الكردية، منعطفاً جديداً يعزز تطلعات أكراد سورية القومية لما يحققه أبناء جلدتهم في العراق، ويزيد الأسئلة حول مصيرهم في الشرق الاوسط بتقسيماته الجديدة.

فبعد انسحاب القوات الحكومية من المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال وشمال شرق سورية صيف العام 2012، سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي المقرب من «حزب العمال الكردستاني» تدريجياً على المنطقة الممتدة من ريف حلب، كوباني وعفرين، مروراً بمنطقة رأس العين أو (سري كانيه) وتل تمر والدرباسية وعامودا، إضافةً الى القسم الأكبر من مدينتي الحسكة والقامشلي مع ريفيهما، انتهاءً بالمالكية أو (ديركا حمو) بحسب التسمية الكردية.

حزب الاتحاد وبالتحالف مع قوى سياسية كردية وعربية وأشورية- مسيحية، أعلن نهاية العام الماضي عن الإدارة الذاتية المشتركة والتي تتمتع باستقلالية لامركزية وقسمت المنطقة لثلاث كانتونات: مقاطعة الجزيرة ومقاطعة كوباني ومقاطعة عفرين.

ميدانياً: بات تنظيم «داعش» يسيطر على الحدود البرية المتاخمة للمنطقة ذات الأغلبية الكردية في سورية. بعد أن احتل أغلب الريف الشرقي والشمالي لدير الزور، وصولاً إلى بلدتي الشدادي والهول في جنوب الحسكة، كما يسيطر التنظيم منذ منتصف العام الماضي على مدينة الرقة غرباً.

1

تطلعات قومية

“كل المعطيات والمؤشرات تنبئ أن المنطقة مقبلة على تغييرات كبيرة في الخرائط السياسية، في ظل هذا الوضع بات من الضروري على الاطراف الكردية إيجاد صيغ ادارية وسياسية تناسبهم للتعايش مع هذا الواقع الجديد والمربك”. والكلام للصحفي كمال أوسكان محرر في مجلة صور- أحد أبرز المجلات التي صدرت بعد الثورة السورية- فبعد سيطرة تنظيم «داعش» على العديد من المناطق في العراق، بات يشرع ما يشبه دولة تمتد حدودها من ريف حلب مروراً بكل من الرقة ودير الزور وصولاً الى المناطق السنية العربية في العراق، ويشرح أوسكان لـ (صوت راية) أنّ “حدود هذه الدويلة الاسلامية تحيط بالمناطق الكردية والتي فصلتها عن العمق السوري”. وأعرب أنه “في ظل غياب أي اعتراف جدي بحقوق الكرد في سورية من قبل النظام والمعارضة حتى الآن، يبدو أن الواقع فرض نوع من التقسيم نتيجة تموضع وسيطرة كل جهة عسكرية على مناطق جغرافية محددة يديرها وفق آليات وصيغ معينة”. أوسكان أشار أنه “قد تكون الفيدرالية إحدى الصيغ المناسبة للعيش الجديد، وقد تكون آخر المحاولات للإبقاء على وحدة الكيانات السياسية التي تشكلت وفق اتفاقية سايكس بيكو”.

2

أكراد سورية يشّكلون القومية الثانية بعد العرب. بحسب الإحصاءات غير الرسمية يقدر عددهم حوالى مليونين ونصف مليون نسمة، ونسبتهم 12 في المئة من التعداد السكاني العام للبلاد. تعرضوا خلال عقود حكم حزب البعث البلاد لأشكال مختلفة من التمييز، إلا أن المعارضة السورية لم تستطع احتواءهم وضمهم إلى كياناتها منذ بداية الثورة. وأنضم المجلس الوطني الكردي مؤخراً الى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إلا أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بقي في هيئة التنسيق الوطنية.

وطالبت المحامية دلشا آيو وتنشط في مجال حقوق الانسان، بالإقرار الدستوري بالشعب الكردي في سورية، وأخبرت (صوت راية) أنه “على الآخرين عدم الولوج في هذه الناحية لأنها حقيقة موجودة ولا تحتاج الى إقرار قانوني”. ونوهت إلى أن الاكراد يعيشون على أرضهم التاريخية وهذه المسألة ايضاً يجب إقرارها دستورياً. وأردفت الناشطة الحقوقية أنه “عندما ألبس الزي الكردي وأذهب إلى عيد النيروز القومي -رأس السنة الكردية- هذه هي خصوصية قومية ومن حقي التعبير عنها”. وعن مطالب الأكراد القومية لفتت المحامية آيو “ما المشكلة ان يكون لدينا إدارة ذاتية, ومن حق أي كردي أن يحلم بتوحد أجزاء كوردستان الأربعة في دولة واحدة, كما هو حق لكل عربي أن يحلم بوحدة الوطن العربي”.

الموقف من التنظيمات الجهادية

يروي سكان مدينة رأس العين وهي مدينة تقع في أقصى الشمال السوري وتحاذي الحدود التركية، قصصاً وحكايات عن الانتهاكات والفظائع التي ارتكبتها التنظيمات الجهادية المتطرفة، وعلى رأسها «داعش» و«النصرة» عندما قررت في نهاية العام 2012 تحرير المدينة من بقايا القوات الموالية للنظام السوري. فبعد معارك استمرت لثلاثة أيام، أعلنت تلك التنظيمات سيطرتها على المدينة، وأذاعوا من على منابر الجوامع، عبارات متشددة أشهرها “سلّم نفسك تسلم”، بينما كان شعار “مالكم مالنا وحلالكم حلالنا”، الأكثر تطرفاً.

وسط هذه الانتهاكات برز الزعيم وهو رجل في عقده السادس، يرتدي زيّاً كردياً، شبيهاً بملابس «قوات البشمركة الكردية» في إقليم كردستان العراقي، ويعتبر الزعيم أول كردي حمل السلاح في وجه التنظيمات المتشددة، ويروي لـ (صوت راية) أنه “في عصر 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، شكّلنا أول مجوعة كردية مسلحة مؤلفة من 12 متطوعاً من أبناء المدينة لمحاربة الكتائب المتطرفة”. وخلص بكلامه قائلاً “لقد قررنا الدفاع عن أهلنا وشرفنا، هم جاؤوا للسيطرة على هذه المدينة لأنها كردية، ونحن دافعنا عن وجودنا وتاريخنا وإرثنا”.

3

مدينة رأس العين خليط سكانٍ أغلبهم من الاقليات، ويعيش فيها الكرد والعرب والأرمن والتركمان والمسيحيين والايزيديين منذ مئات السنين. وتكمن أهميتها الاستراتيجية بالنسبة لتنظيم «داعش» كونها المعبر الوحيد مع الجارة تركية، كما تصل أراضيها الشاسعة مع “عاصمة الخلافة الاسلامية” مدينة الرقة، وباقي المناطق في الشمال السوري التي يسيطر التنظيم عليها.

“احتلت التنظيمات المتطرفة سري كانيه بحجة تحريرها من النظام السوري، وجاءوا ليحتلوها، وقام مقاتلوهم بنهب وسرقة ممتلكات سكانها واعتدوا على كرامات الناس”. بحسب ما لفت محي الدين عيسو الناشط في مجال حقوق الانسان لـ (صوت راية)، وجزم بأنّ “تلك التنظيمات لا حاضنة اجتماعية أو شعبية لها في المناطق الكردية من ناحية، وللاختلاف الجذري بين قيم وعادات المجتمع الكردي عن قيم التنظيمات الجهادية من ناحية ثانية”.

بينما يشدد الصحافي سير الدين يوسف، وهو من أبناء مدينة القامشلي أن “أكراد سورية معنيون بالدرجة الأولى بحروب داعش ومشتقاتها، كونهم أول مَن حاربوا هذه التنظيمات على صعيد المنطقة، وقدموا أكثر من 500 شهيد في سبيل حماية شعبهم ومناطقهم من هؤلاء الجَهَلة والمتخلّفين”. ونوه لـ (صوت راية) أنه “لا يوجد كردي بريد الحرب، لقد سئمنا من الحروب، نحن نعشق الحياة والعيش بسلام مع الاخرين، وجميع الحروب فرضت علينا وداعش ليست استثناءً، هم غزو غرب كردستان”. إشارةً إلى المناطق ذات الغالبية الكردية في سورية.

4

أزمة ثقة مع المعارضة السورية

بعد انعقاد المؤتمر الثاني للمجلس الوطني الكردي- ائتلاف سياسي يضم أحزاباً سياسية وقوى ثورية وحركات شبابية- في بداية عام 2013، رفعوا المجتمعون سقف مطالب كرد سورية. ونص البيان الختامي “يقر المؤتمر بأن أرقى أشكال الدولة في سورية يتمثل في الدولة الاتحادية الديموقراطية (الفيديرالية)»، بعد أن كان المجلس نفسه طالب في بيان مؤتمره التأسيسي في 26 تشرني الاول2011 بـ “إيجاد حل ديموقراطي عادل لقضيته القومية بما يضمن حقه في تقرير مصيره بنفسه ضمن وحدة البلاد”.

سكرتير «حركة الإصلاح الكردي» فيصل يوسف والذي شغل منصب رئيس المجلس لثلاث دورات، كان من بين أوائل المعارضين الكرد الذين انخرطوا في الشأن العام في بعده الوطني. وشارك في ربيع دمشق عام 2000 وكان أحد الشخصيات الكردية التي توافدت إلى دمشق لحضور المنتديات الحوارية. يرى أن أزمة الثقة مع المعارضة السياسية قديمة جديدة، وذكر لـ (صوت راية) أنّ “موقف المعارضة لم يشهد تغيراً ملحوظاً، فمنذ انطلاقة ربيع دمشق في بداية عام 2000 وقتها رفُع شعار إيجاد حل ديموقراطي عادل للقضة الكردية”. وأضاف “بعدها وفي نهاية عام 2005 عندما تأسس إعلان دمشق وكنا كحركة كردية جزءاً منه، تجنبوا الخوض في مصطلحات مثل الشعب الكردي أو القومية الثانية في سورية”. وتابع كلامه “في مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية الذي عقد صيف العام 2012 اعترض الكثيرون على مصطلح الشعب الكردي..! ووقتها انسحبت الكتلة الكردية كاملةً وقاطعت أعمال المؤتمر”.

ويعزو الدكتور عبد الكريم عمر منسق العلاقات الخارجية لديوان «المجلس التشريعي للإدارة الذاتية المشتركة» لـ (صوت راية) أزمة الثقة مع المعارضة السورية الى صدامات وجدال مع القوى والنخب السياسية بمختلف مشاربها، حيث كانوا يطالبون بتوضيح بند مطالبة الاكراد بحقوق وفق المواثيق والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وأستبعد أن “المعارضة كانت تتهم الأكراد بأن موقفنا ضبابي وغير واضح، وهذا مستبعد لدينا، في حين كنا نؤكد لهم أن الفيديرالية ضمن إطار وحدة الدولة لا تعني التقسيم أو الانفصال”.

ويرد سلمان حسو عضو المكتب السياسي للحزب «الديموقراطي التقدمي الكردي»، الخلافات والسجالات داخل المعارضة السورية حول حقوق الأكراد “لوجود تيار عروبي عنصري داخل المعارضة”. ونقل لـ (صوت راية) إنّ “الكثير من القوميين العرب ينظرون إلى الحقوق القومية للأكراد، وكأنها على حساب القومية العربية، وأن على القوميات الأخرى الذوبان ضمن بوتقة الأخيرة”. وأضاف حسو أنه “للأكراد الحق في إدارة مناطقهم، وهو ما وافقت عليه بعض أطراف المعارضة، مثل المجلس والائتلاف الوطني لاحقاً، وحددته بشكل اللامركزية الإدارية”.

مقالات تحقيقات